“بقية المشاهد من: هل تراني نسيت…؟“
(7)
عند الظهر، وبعد ما جرى من أحداثٍ متسارعة، غفوتُ مُطولاً لنهاية العصر، واستيقظتُ على هديرِ الصمت يدوي في المنزل!
خرجتُ من الغرفة واستشعرتُ غرابة الوضع الساكن، اختفاء أفراد الأسرة…
أخي واقفاً عند الباب الخارجي بعينين حمراوين، وأمي باكية تصيح “أتركوني، سأذهب الآن!”…
استفهمت أختيّ الواقفتان قريباً من الباب، تنظران إليّ بإشفاق، نظرات سرت كالصقيع على جسدي،
- ماذا يجري؟
- …
- مابها أمي؟
-…
الصمت يزداد والتحديق مستمر…
حتى نطق أحدهم:
- فلان… ظهر اليوم، تعرض مع زميله لحادث في طريق العودة من الجامعة… و…
- … ومات!
ابتسمت فاغرة فاهي مندهشة وكدت أن أضحك كالمجانين لسماع ذلك الخبر… وكأني للتو أسمع بالموت، لم أدرك حقيقة المنية والأجل إلا في ذلك اليوم!
الأسبوع التالي؛ أعلنوا نتائج القبول في جامعته؛ اسمه الوحيد على قائمة المقبولين! وهو لم يعد يسير على أرض دنيانا…
سخرية القدر!!
(8)
لم تكد تمُرُّ فترة العزاءِ المريرة بما حوت من نواحٍ وعويل، صرخاتُ الأم المفجوعة على إبنها الوحيد؛ حتى أسودتْ الدنيا وخيّمتْ سحابةٌ كئيبة على حياتي كاملة!
شعرتُ بالغربة في ساحة الجامعة، أينما ذهبت أسير بلا هدف، لا أستوعب ما يقال حولي، أصبحتُ كالشبح الصامت، وراح وزني يتناقص أكثر مما هو ناقص، قاومتُ كي لا أُخرج ما في داخلي من مشاعر، لم أبكي، لم أعبَّر، لم أُخبر أحداً باختلاجاتي… تظاهرتُ بأني طبيعية لآخر اللحظات…
خسرتُ السنة الجامعية الأولى، وسنة أخرى تليها لا أذكر ما فيها – ليومي هذا – من أحداث لا بالخير ولا بالشر…
(9)
- كان يُحبك جداً! يتحدث عنكِ باستمرار، حتى آخر كلامه كان يحدّثُ أبي بحزن واستسلام – قاصداً إياكِ-: “الله يجمعنا في الجنة! سأتزوج بها في الجنة!”.
- لماذا قال ذلك؟
- أيقن بأن هناك من سيُعارض ارتباطه بكِ بشكل ما، بسبب العمر!
- لأنني أكبره بثلاثة أشهر؟ لولا إرادة الله بأن أكون إبنة سبعة أشهر لكان شهراً واحداً فقط!
- كان يتصل يومياً بأمك ويخرج مع أخيك…
- لم أكن أعرف هذا الأمر
- حتى عندما عارض أخوكِ تخصصك الأول في الجامعة، شجّع والدتكِ قائلاً لها:
“لا تستسلم!! ولا تخضع لآراء أخيها، ولتواصل رغماً عن أنوف المعترضين جميعاً!“
- إذاً فهو الصوت الوحيد الذي دعمني، ورحل!
- والدي أيضاً يحبك ولازال، دائماً يعايرني بك ويتمنى لو كنتِ أبنته ويحلف أنه لو كنتِ كذلك لما ترك دمعة تنزل على خديكِ! بصراحة؛ كرهتكِ أحياناً!
- لقد انقطعتُ عن زيارتكم منذ تلك الأيام، لا أدري، أحسستُ بأن خالتي لا يريحها وجودي…
- صحيح! أنتِ محقة، كثيراً كانت تبكي حينما تراكِ بل وتزداد حالتها المَرَضيّة سوءاً!!
…
(10)
لم أعرف لماذا أنا حزينة، لم أعرف لماذا أنا أبكي…
أيُّ غصةٍ تلكَ التي أيبستْ حنجرتي؟ أيُّ ألمٍ اِعتصَر فؤادي؟ أيُّ دمعٍ سكبتُهُ بحُرقة على وسادتي؟
تواريتُ عن الأنظارِ طويلاً لدرجة أني أتقنتُ فنون الإختفاء!
لمجرد معرفة أني ألمٌ متنقل يزهق أرواح غيري؛ شعور يغتالني لحظياً ويقتل ابتسامتي…
(11)
بعد مرور ثمانِ سنواتٍ على الحادثة، خرجتُ من صمتي وأخبرتُ إحداهن ببعضٍ من مشاهد حياتي… وأتيتُ على ذكره في حديثي؛ باغتتني نظرة قوية بسؤال:
- هل أحببتيه؟
- … … …
لم استطع الإجابة… سؤالٌ لم أطرَحْهُ حتى أنا على نفسي…
تلكَ الليلة؛ لففتُ نفسي ببطانية وتقوقعتُ في ظلام الغرفة، يطوقني ظلامُ نفسي وحزني المتجدد، وغرقتُ في موجة بكاءٍ عارمة…
إذاً… فقد أحببتُه منذ البداية! نعم أحببته…
أجل! أُحبه… وأفتقده…
صوتُهُ الهادىء وابتسامتُهً الرقيقة…
(12)
ابتاعوا منزلاً جديداً، كرروا إليّ الدعوة للزيارة، وقبلتُ إحداها بالإكراه…
أتجولُ في ذلك المنزل الجديد، رغم جمال أثاثه وديكوراته؛ يبدو فارغاً ولا حياة فيه!
سئمتُ ومللتُ الجلوس وحيدة، هببتُ لأخرجَ من غرفة ابنة خالتي، وبصورة خاطفة لمحتُ بروازاً لم ألحظه حينما كنت بالداخل، وجهاً مألوفاً لدي…
تظاهرتُ بنسيان شيءٍ ما من أغراضي لأعود وأتأكد مما رأته عيناي، خفَق الفؤاد وشهقتُ بصمتٍ وتسمرتُ مكاني بل تجمدت أفكاري، لم أستطع إطالة النظر في الصورة!
إنها لحظاتٌ معدودة عصفتْ بي دهراً كاملاً!
استجمعتُ القوى ومضيتُ في طريقي…
لم أستطع النوم تلك الليلة، أتقلبُ على فراشي واستجمع أوصالي؛ لماذا لم أقوى على التمعن في تقاسيم وجهه؟
نهضتُ بقوة وأشعلتُ المصابيح، فخَرَجتْ هذه الكلمات أزفرُها من أعماقي:
” هل تُراني نسيت أم خِفتُ الملامة؟ أم أخفيتُ دمعةً خلفَ ابتسامة؟ أم خفتُ حباً بريئاً تجرع قلبهُ حدَّ الثمالة؟“
ربما حملتْ هذه الكلمات شيئاً من الإجابة على تساؤلي الأول والثاني؛ هل أحببته؟ لِمَ خشيتُ أن أنظر لصورته أكثر؟
لازلتُ أحبه وأخجل من النظر إلى صورته كما كنتُ أذوب خجلاً حين رؤية وجهه في حياته…
أيقنتُ الآن بأن بابَ قلبي موصدٌ بعده، لم يخفق لرجل غيره مع مضي الزمن؛ ولن…
فليرحمه الله ويدخله فسيح جناته
خرجتُ من الغرفة واستشعرتُ غرابة الوضع الساكن، اختفاء أفراد الأسرة…
أخي واقفاً عند الباب الخارجي بعينين حمراوين، وأمي باكية تصيح “أتركوني، سأذهب الآن!”…
استفهمت أختيّ الواقفتان قريباً من الباب، تنظران إليّ بإشفاق، نظرات سرت كالصقيع على جسدي،
شعرتُ بالغربة في ساحة الجامعة، أينما ذهبت أسير بلا هدف، لا أستوعب ما يقال حولي، أصبحتُ كالشبح الصامت، وراح وزني يتناقص أكثر مما هو ناقص، قاومتُ كي لا أُخرج ما في داخلي من مشاعر، لم أبكي، لم أعبَّر، لم أُخبر أحداً باختلاجاتي… تظاهرتُ بأني طبيعية لآخر اللحظات…
خسرتُ السنة الجامعية الأولى، وسنة أخرى تليها لا أذكر ما فيها – ليومي هذا – من أحداث لا بالخير ولا بالشر…
أتجولُ في ذلك المنزل الجديد، رغم جمال أثاثه وديكوراته؛ يبدو فارغاً ولا حياة فيه!
سئمتُ ومللتُ الجلوس وحيدة، هببتُ لأخرجَ من غرفة ابنة خالتي، وبصورة خاطفة لمحتُ بروازاً لم ألحظه حينما كنت بالداخل، وجهاً مألوفاً لدي…
تظاهرتُ بنسيان شيءٍ ما من أغراضي لأعود وأتأكد مما رأته عيناي، خفَق الفؤاد وشهقتُ بصمتٍ وتسمرتُ مكاني بل تجمدت أفكاري، لم أستطع إطالة النظر في الصورة!
إنها لحظاتٌ معدودة عصفتْ بي دهراً كاملاً!
استجمعتُ القوى ومضيتُ في طريقي…
لم أستطع النوم تلك الليلة، أتقلبُ على فراشي واستجمع أوصالي؛ لماذا لم أقوى على التمعن في تقاسيم وجهه؟
نهضتُ بقوة وأشعلتُ المصابيح، فخَرَجتْ هذه الكلمات أزفرُها من أعماقي:
لازلتُ أحبه وأخجل من النظر إلى صورته كما كنتُ أذوب خجلاً حين رؤية وجهه في حياته…
أيقنتُ الآن بأن بابَ قلبي موصدٌ بعده، لم يخفق لرجل غيره مع مضي الزمن؛ ولن…



تأملي الخير وإن بَـعُدْ.
فكل مايحدث هو تدبير من عند المقتدر العالم بأحوال عباده والذي
هو أرأف وأشفق على عباده من غيره.
ماحدث …. لعله خيراً، لكِ ولهُ وإن بدى لكِ غير ذلك.
ولربما خيراً قد يحدث أخيراً وقريباً … يخترق حُجُبْ الألم الذي تعانيه.
أسأل الله أن يشملك بعطفه.
أهلاً أخيتي العزيزة على قلبي،
كلامك يحمل شفاءً للصدور المُرهقة من سير الزمن فوقها، والحمد لله على كل حال…
أظنني تجاوزت مرحلة الإكتئاب والعزلة بشكل أو بآخر وراضية بالقدر وحكمة الباري -جلّ وعلا- فيها…
سلمتِ ووفقك الله لرضاه…
؛
F.J.A