زيارات متفرقة
07/11/2009 من تأليف F.J.A. AbdulAmeer
1…
رأيتُه يتكىءُ على جانب-نهاية سريره، وبجوارِهِ أخي الذي يكبرني بعام، يرتدي البياض مُبتسماً لي حينما وقفتُ عند الباب شِبه مُندهشة!
2…
كنتُ أصرخُ في الشارع في ليلةٍ مُظلمة وكنتُ أبكي مذعورة، ملابسي لا تستُرُني ومرعُوبة لحدِّ الجنون، هرولتُ لأقرب بيتٍ مألوف وهو بيتهم، فتحَ ليَ البابَ وتجهّم غيرَ مُرحَّبٍ بي، نظراتٍ جامدة شاردة في الفراغ أمامه، لا تزلزله صرخاتي ولا يهزّه تشبثي بصدره، لم يكن يرفع بصره إليّ!
3…
فتحتُ البابَ بعد طرقٍ خفيفٍ والكلُّ ملتفٌ حولَ مائدة الغداء، لم يكن ذلك البيت بيتنا ولا الحيُّ حينا، كان هو الطارق يحملُ في يده شريط لعبة إلكترونية، حيلة كي يراني من حيث لا يُشعرنَّ بهِ أحداً. كانت الدنيا ظُهراً، مرتدية عباءتي وسلمني إياه من خلف الباب مبتسماً، لمحتُ من بعيدٍ قافلةً من الناس تسيرُ راجلةً تتجه من اليمين لليسار في خطٍ طويلٍ والرمالُ بيضاء، ففهمتُ أنه سائرٌ معهم وجاء يودعني!
4…
في غرفته المُظلمة يتوسَّدُ سريره وضوءٌ كئيبٌ يسقطُ من نافذةٍ تعلو رأسَهُ قليلاً. مريضٌ عليلٌ لا يتحرك، حزينٌ صامت. أجلسُ القرفصاء بين سريره وبينَ سريرٍ يوازيه بدا وكأنه مخصصٌ لي لسبب ما، هناك قيودٌ تربط قدمي وسلسلة ممتدة في نهايتها مربوطة به. البابُ مفتوحٌ ووالدته تنظرُ إليّ ترغمني أن أبقى معه وأعتني به، كيف لا أفعل ويجمعنا طرفي القيد نفسه؟ لم أنبس بحرفٍ وسطَ الظلام المُحيطُ بي، وظلامٌ آخر يغشى قلبي وبصري سواء… أغمضتُ عيني مُتظلِّمة والفم مُطبق، لا أفهمُ ما يجري…
5…
فِناءُ بيتٍ لا يبدو أنه بيتنا، ولا حتى بيتهم، شجيراتٍ خضراء مُوزَّعة هنا وهناك بالقرب من الجدران الخلفية للمنزل، الماءُ يجري ليسقي الزرع. أمه وأباه بالجوار ومرّ من خلفي مسرعاً ملتفاً حولَ زاويةٍ قريبة مُبتعداً عن موقفِ التجمع الذي كنتُ فيه. رافعةٌ بعضاً من أطراف العباءة وجريتُ خلفه، قلبٌ يرجف ودموعٌ وشيكة، مددتُ يدي حتى لكادت تصل إلى ظهره وتلمس شيئاً من ثوبه الأبيض… توقف هنيهة واستدار بجزء من كتفه نحوي غير مبتسم أو شبه مبتسم… استفهمته بخجل وقلق: حقاً ستتزوج دون أن تخبرني من هي؟ أجابَ في لطفٍ: أنتِ بالتأكيد تعرفينها جيداً… مضى في طريقِهِ وقلبي يضخُ دماً حاراً لوجهي وقشعريرة دبت في جسدي شلتني عن التفكير والحركة! فهمتُ المغزى من ثغره الباسم.
6…
في اللامكان ولا زمان، لا أبعادٌ تحدُّنا ولا سماءٌ فوقنا ولا أرضٌ تحمِلنا… رفع يده مودعاً قائلاً: الله يوفقك/في وداعة الله. شعرتُ بالضيق وشبه غصة. ليست المرة الأولى التي يودعني فيها لكنها المرة الأولى التي يخاطبني فيها جاداً كأنما يئِسَ/يتخلّى عني أو يتركني في عُهدة غيره… بعدها بأيام وصل شخصٌ آخر فعرفتَ أنه كان يحرسني لحين يأتي هذا الآخر. لستُ مرتاحة أبداً… أبداً… وبكيت…
7…
لم أره بعدها، لم يعد يشِقُّ عليَّ، لم يزرني في منامي بعد الوداع الأخير…
8…
هل رحلتَ يائساً أم أني لا أستحقك؟ أم أنك وصلت لمثواك الأخير: جنة الخلود؟
9…
إن كنتَ تسمعني أو تقرأ مافي نفسي؛ بلّغ سلامي لأخي وقل له كم أحبه وأفتقده…
10…
اشتقتكم جداً… فليرحَمكم الله ويسَعَكم برحمته.
أرسلت فى فصلٌ... ليس ككل الفصول! | Tagged فناء, قلبي, قافلة, كئيب, لعبة, ملابس, منزل, مذعورة, يئس, أخي, الفراغ, القيد, الماء, الوداع, البياض, الباب, الجنون, الرمال, الزرع, الشارع, بيت, بصري, ثغره الباسم, جنة الخلود, سرير, شجيرات, صمت, صرخات, عيني, عباءة | تعليقات
اترك رد
اوه ،،
كم استرجعت من ذكريات لى ولوالدى (رحمه الله)
حينما كان يزورنى فى احلامى ،،
أنا وهو فقط ،،
مرت شهور دون ان يأتينى ،،
وما زاد شوقى هذه التدوينه ،،
بها وصف عميق لأحساس شخص ما ،،
تجاه شخص غائب ، أو صعد الى الرفيق الأعلى ،،
احساس ممزوج بالغموض والخوف والشوق ،،
لا يسعنى قول شىء من صدق التعبير فى هذه التدوينه ،،
أخوك ،
!Blue!
فليرحم الله موتانا وموتى المؤمنين والمؤمنات أجمعين…
سلمت وسلمك الله؛
ف. العبد الأمير
هذا الحنين يأسرنا ..لا يغادرونا حتى في أحلامنا
لحظات من ذكرى أيامهم الجميلة ..كافية لأن تنقلنا إلى عالم من السعادة والحب والحبور…رحم الله أموات المسلمين وأسعد أيامكم بذكره
سلامٌ ورحمة؛
“الحنين”…
قد لا يعلم مكنون هذه الكلمة إلا من مزقته المسافات وشطرته الدنيا أشلاء لا تجتمع بعدها…
مشاهد كثيرة كنت أراهم حُلُماً، بعضها تسرني وبعضها أستيقظ أستطلع ما حولي وأين أنا!
هو إذاً ليس بجزع من الموت ولا سخط من القدر، هو الحنين للملجأ الروحي والسَنَد العاطفي…
أو بالأصح، من كانوا كذلك يوماً كانوا هنا!
رحمنا الله وإياكم ورحم موتانا وموتاكم وموتى المؤمنين والمؤمنات أجمع…
سلمت أيها الـ 13…
؛
ف. العبد الأمير
لم أجد سوى شهقة ورعشات قلبي وأناأقرأ كلماتك ،،
لم أعد أراه
لم يعد يزورني ذاكَ القلب الكبير !
لأخي وكل موتى المؤمنين والمؤمنات فاتحة ودعاء (f)..
سلمتِ أخيتي،
جمع الله شملكم ومن تحبون بخير وعافية مسرات ولا أحزنكم الله على حبيب…
بالتوفيق؛
ف. العبد الأمير
استاذتي
زيارات مررت بقلوبنا و استوقفتنا
أشعلت الكثير مما مضى
فهتز عرش الشوق
و تساقطت أوراق الألم
و هبت أعاصير الحنين
و أرتفعت الأصوات داعيه بالرحمة و الغفران
لله درك
سلمتي وبوركتِ
في حفظ الرحمن…
ف. العبد الأمير