رحلة قصيرة

بسمه تعالى؛
—————
ذهبَ يجري مُسرعاً وراء من يهواه.. مُستصغراً المَصاعبَ التي يُواجِهُها.. جاعلاً الجرُوحَ والالآم بلسماً يتداوى به.. يتلذذُ بطعمها والطعّنات.. يُسببها من هو أمامه..
يسيرُ مسرعاً، يكاد يختفي.. يلحَقُه ويكادُ يُغشى عليه من التعب والإرهاق.. فالطريقُ طويلٌ.. مليءٌ بالأشواك -الجميلة في نظره- التي تدمي الأقدام..
لحظة!!..
توقفَ من يُركضُ إليه.. يا للفرحة.. يا للسعادة.. أخيراً.. وبعد مُضي نيفٌ وعشرة أشهرٍ من الشقاء المتواصل.. سوفَ يصلُ إليه ويحتضنه…
ما هذا؟…
ذلك المجهول.. يضمُّ ثلاثةَ أشياءٍ.. وهو سعيد..
لقد توقف.. باسطاً يديه له.. سوف يتلقاه..
يحمل في يمينه زهرةً وردية، في يساره هدية، معه شهادة.. تقديراً لمجهوده الشاق…
كما يظن ويعتقد…
آه… يتنهم… ودموع يذرفها لفرحةٍ واسعة… من كمثله..
آه.. إنه يَهمُّ حتى يصل.. فما بقيت غيرَ خطواتٍ.. فرحٌ به.. إنه يبتسم… بل فاغراً ثغره الباسم..
إنه يقترب.. يقترب..
فجأة.. هبّتْ العواصف، والرياحُ الحارّة.. مُحملة بالغبار.. يالقساوة الزمان على هذا المسكين..
ياه.. إنه خائفٌ.. من أن يفقد هواءه الذي يتنفسه.. يريد ضمّهُ إليه.. بقوة… بحرارة…
كاحتضان أمِّ صغيرها النائم.. ليلة شتاءٍ قارس…
لكن؟!..
الرياحُ الشديدة.. أزالت الثوبَ الذي يرتديه ذلك المجهول.. لقد كشفت الرياحُ حقيقةً…
لاه…!
فلم يكن يحمل وردةً في يمينه.. بل سِكيناً مشحوذة… لم تكن تلك هدية.. بل كانت قنبلة.. ملثومة بقُبلة الموت..
لم تكن تلك شهادة للتقدير.. إنها شهادة وفاة مُسبقة الإعداد.. مقدمة لنهاية حياة ذلك البائس..
ماذا يفعل.. كيف يتصرف؟ أرشدوه كيف يفعل.. كي لا يقع.. فهو مُدمىً جريح لا يقوى على التّحمل..
صاعقةٌ أخرى..
أُزيل القناع.. ظهرَ ذلك الوجهُ مُكشراً أنيابَه.. يضحكُ زمجرةً عالية…
اندفع يركُضُ نحوَه.. مُتعطشاً لدمائِه.. يريدُ تقطيعه بسلاحه الحادّ..
لا… ليس صحيحاً.. بل بأسنانه القاطعة.. كسَواطيرٍ مسنُونة..
كيف نستطيع مشاهدة مصرعَ قلبٍ يموت وسطَ ضبابٍ.. في ظلامِ الليل؟!
راحَ يحاولُ هرَباً منه.. بعدما كان يموتُ.. ليلقاه.. لكنه لا يستطيع الفِرار والإفلات بجلده..
يتعثرُ.. ويتعثر.. دُموعه الحزينة.. تفيض بغزارة.. أحرقت وجنتيه.. ألهبتها..
يسيرُ.. مستديراً خلفَه.. يراهُ.. أسرعَ منه.. ويكاد يصله.. زاد في سرعته..
ليزيدها قبله..
يركضُ.. وهو ملتفتٌ للوراء.. لعلعه يتقهقر.. ويحدث العكس..
ويظلُّ كذلك..
ما هذا؟؟
انتبه أيُّها القلبُ الكسير!!… انتبه..
لا.. لا.. أيُّها الزمن! ألطف به..
بينما هو في شدة سرعته المُتباطئة.. ورأسه.. وناظريه.. خلفه..
ارتطم بصخرة عظيمة.. هوَى على الأرض.. تفجّرت دماؤه الساخنة..
فساحت على الأرض..
تحطم.. وضاعت أحلامه وأمانيه.. فقد باتَ صريعاً.. في ظلِّ من أحبَّ…
وما كان ذلك إلا شبحاً.. أو سراباً..
واختفى..

؛~

* سردتُ هذه الأقصوصة بين 96-1997

2 thoughts on “رحلة قصيرة

  1. الأشواك الجميلة ..هل يوجد في الدنيا ألم بطعم العسل ؟؟؟

    لا أظن ذلك ولكن ما أتيقن منه هو أنّ من يحب أو يهوى أمرا يجده على غير حاله

    ولكن اذا ” راحت السكرة وجاءت الفكرة كما يُقال..” انكشف له الأمر

    (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا)…

    هذا ما أحببت أن أعلق عليه هنا

    شكرا لك على طرق الأبواب..وجعلنا نتعلم ونستفيد ونستمتع بالجواب.

    • بل شكراً لك أخي الكريم لقرائتك لما بين السطور والتبحر في المعاني والكلمات…

      وفقك الله للدارين؛

      ف. العبد الأمير

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s