استِسقاء | تَسَوّل
’,,
ياااه!
مهما سَعينا لدَفنِه،
يأتينا ذلك الماضي بكلِّ تَفَاصِيله؛
على هيئة أُنَاسٍ لا نكونُ نحنُ هُم،
لا هُم يعرِفُوننا ولمْ نلتقِ بهم،
وبلا مِيعاد؛
يجمعُنا طبقُ المنيّةِ على مائدةِ الحياة...،’’
F.J.A. AbdulAmeer ; 2009-2012
-
هطلٌ جديد
صفحاتي الملوّنَة
فصولٌ لا تتشابه
- فُصُولٌ ولبياضِ قلبي؛ سلامٌ! (117)
- مَسْحةٌ من جُنُون (4)
- مُفردَاتُ الصّمت (17)
- مُنهَلاتٌ (4)
- أحلامُ يَقَظة (49)
- إنّهم بَشَرٌ (23)
- ابنةُ النُّور (5)
- تِقنيّات وبرامج (49)
… وفي القلب ذكرى
-
استجابة التربة للمطر
تَمَرْكُز
همس الكَلِم
الأرشيف الشهري: مايو 2010
أكسبريا X10 mini – أندرويد
أتوقع له شعبية كبيرة بين البنات لحجمه الصغير ولإمكانية تغيير الأغطية بأخرى ملونة
؛
بِدَايةُ وَ نِهَايات | 2 : مَشهدٌ أوّل!
بسم الله تعالى خير الأسماء؛
…
بعد قشعريرةٍ باغتت بدنَهُ؛ دَارتْ الدُّنيا به، رحمَتَهُ سَاقاه بأنْ قَادتَاهُ إلى أقربِ مركزِ ثَبات؛ مقعدٍ ليسَ ببعيدٍ من الباب، ارتمى بثقلِ جسدِهِ عليه بينما لا تزالُ رُوحُهُ تهيمُ باحثةً عن جَوابٍ لتعودَ بعدها راضيةً إلى مقرِّها ومُستودَعَها. يُسنِدُ بكفِّه جبينَه، تتعلّقُ عيناَه على توأمِ المفاتيحِ، ثُمَّ يغيبُ في الذّاكرة.
…
ذاتَ يومٍ، كان من النَّوادر أن يتخذَه يومَ عطلةٍ له أو راحة، قرّر أنْ يقضِيَه بهدوءٍ في منزِلِه تصفيةً لذهنِهِ من دَويِّ المُوظّفين وَالعلاقات العامَّة والحِسَابات. صباحاً؛ استيقظَ مُستَنشِقاً عَبقَ الوَرد المُنتشِرِ في الغُرفة، ابتسمَ مَادّاً ذِراعيه كَطيرٍ يفرِدُ جَنَاحَيه لأولِ مَرة. استقبلتْه فَراشَةُ الرّبيعِ بابتسامةِ الُمقبِل على الحَياة بإنطلاقة:
- صباحُ الخيرِ، عزيزي.
- يا صباح الوَردِ والسُّرور.
حيثُ أن هذه الُمناسَبة لا تتكرّرُ كُلَّ شَهرٍ؛ أعدَّتْ له المُتكأ وكُلَّ ما لذّ وطاب احتفالاً بهذه السّاعات الثّمينة، لا أسعدُ من هذه اللحظات التي يكونُ فيها هذا الطّائرُ المُهاجرُ مُستقراً في عُشِّه، مقرُّ أمانِها والرّاحة لا يُضيءُ إلا بوُجُودِه فيه.
تجرّدَ من مشاغِلِه الدَّائمة وارتدَتْ المرحَ، استحضرتْ الجُنون الصَّاخب في قلبها المُشتاق، وأيَّ شيءٍ قد يجعل وجهه يشِعُّ بابتسامته، كالبدر التَّمام، لم تدّخِر جُهداً لتوفيره.
عند الضُحى؛ جلس مُسترخِياً على الأريكة الكَبيرة، تارِكاً جسمَه يغوصُ وَسَطَها بنعومةِ القُطن وَالألوان الزَّاهِية…
تخطُو بخَجَلٍ بالقرب من تِلكَ الأريكة، تعتَليها بحذر، تتأبطُ ذِراعَه وتحتويها بذِراعَيها، تُسنِدُ رأَسَها وتضمُّها إليها بقُوة، تكوّرت بكاملها عندَ خَصرِه. تهمِسُ له بأحاديثٍ عديدة ذاتَ بهجةٍ، طُرَفاً، حِكايات، أخباراً… تضحكُ، تتجهّمُ، تحتدُّ ثمَّ تسترخي ملامِحُها…
تصاعُدٌ يتلوه الهُبوط، تراجَعَت حيويتُها تدريجيّاً، تخفِتُ كنجمٍ يهوي عن قريب… وَسَكتَتْ.
تمرُّ الدقائقُ بطيئةً دونَ صوتٍ يُسمع، إلا نبضُ قلبِه تحتَ أُذُنها مُباشرة، حتى إذا ما تجاوَزتْ السّاعة وهي على ذلك الحال؛ رَفَع فِنجانَ القهوة يرتَشِفُها باردة؛ استدارَ بجانب وجهه:
- أنتِ صامِتة!
- كي لا أُبدِّدَ سُكُونَك.
- لا يُزعِجُني حديثُك، استمرِّي.
- لا أستطيعُ الإستمرار، أنت لا تُبادلني الكلام.
- هذا لأنّه ليسَ لدي ما أُضيفُه على كلامِك.
- أترَاني مُملّةً أمْ ثَرثارَة؟ أو كِلاهما مَعَاً؟
- لا هذا ولا ذَاك، سعيدُ بحدِيثِك كُلِّه، لذا أكمِلي.
- انتهيتُ مِنه، إبدأني أنت.
- لا يُوجد ما أقولُه!
- أيُّ شَيءٍ، أيُّ شيءٍ يُمكنُ أنْ تشاركني إياه.
- لا يوجد! عقلي فارغٌ، تماماً.
- أممم… حسناً، ما رأيك أنْ أبحثَ عنْ عمل؟
أعاد فِنجَانَه إلى صحنِه، واعتدل:
- بماذا تُفكِّرين؟
- أفَكّرُ بمعلمة أطفالٍ خاصّة.
انتفَض! استدارَ كُليَّاً ليُقابلَها وجهاً لوجه، مُفككاً بحَرَكتِه عُقدةَ ذراعيها حوله:
- ماذا؟؟؟ أهذا مُنتهى طُمُوحك؟ جليسةُ أطفال؟؟؟
- هذا… هذا ما أفكر به.
- خِلتُكِ تتمنينَ وظيفةً توازي اختصاصك ومَجالَ دراستك. أطفال؟؟؟
- لُغة الحسابات والأرقام، والإلتزامات المكتبية الخانقة تقتُلُني… ثُمَّ أنِّي… أعشقُ الأطفال.
- لا أوافقُ على خُروُجِك للعمل، بأيِّ شكلٍ كان!
- أعطِنِي سَبباً مُقنعاً لرفضِكَ القاطِع.
- غيّري الموضُوع!
يسخُنُ وجهُهَا ويحمَرّ جَمراً، لتقولَ باندفاعٍ:
- أتظُنُني تلفازاً تُغيِّرُ قنواتِه؟ أو حاسوباً تُبدلُ برامِجَه متى ماشئتَ، ووِفقاً لتقلُّبِ ِمزاجيّتِك الخاصّة؟
- أنَّى لكِ هذه اللهجة الجديدة؟
- تدفعُني لذلك رُغماً عنِّي…
- إذاً، المُلام هو: أنا!
- …
- …
توجَّهتْ بنظرِها نحو الأرض، بقَهَرِها، أتختفي كحبةِ رملٍ تَذرُها الرِّياح طَلباً لِرِضاه؟ تودُّ لو تفهمُه… فقط لو يخرُج مِنْ سُقمِ عُزلتِه.
وتمضي سَاعةُ صمتٍ أخرى، بيدِ أنَّ هذه المرّة لا يُمكِنُها سَماعُ نَبضِه، فقد اعتدَلَ ليقرأَ الجَريدة…
مرارةٌ تختزِنُها بقلبِها، تُعيدُ وَصلَ حِبالِ الكَلام:
- أ غاضِبٌ مني؟ أنا… آسفة.
- لا.
- رانَ وقتٌ طويلٌ على سُكُوتِك عنِّي.
- لا تهتمِّي…
- كيفَ لا أهتمّ؟
- إبدأي حديثاً، أنا مُصغٍ إليكِ…
- بذلك… تُشعِرُني بأني ثَرثَارةً غبيةً، بل، وحمقاء!
قطّب جبينَه وألقى جريدَته عابِسَاً:
- أعوذُ بالله!
- دِلَني على موضوعٍ يجذِبُك لنَتَنَاوَله مَعاً…
- ماذا تُريدين بالضّبط؟
- … أريدُكَ أنتَ… أنتَ فقط…
- أخبرتُكِ، لا مُوضُوعاتٌ لدي!!!
- إنَّكَ… تبعَثُني للجُنون…
- بل أنتِ (فعلاً) مجنونة!
استعرَتْ وجنتيها، وحينما اُحرِقَت عينيها؛ نَهَضت ْبقوةٍ وخَرَجتْ حاملةً شتّى مشاعِرَ الألم والقَهَر، الحُبَّ العميق، الغضبَ وشيئاً مِنَ اليأس…
وجرَتْ أولَ دَمعَة!
يتوارى طيفُها أمامَه مخلِّفاً ذَرّاتِ عِطرٍ آسِر، يستنشِقُهُ ليحبِسُه في صدرِه، ثُم يعودُ لوضعِهِ السَّابق على الأريكة بجمُودِه المُعتاد.
وتوشَّحَ السُّكون مِنْ جديد!
…
أفاقَ مِنْ ذلك المَشهدِ مُرخياً عضلاتِ كتفيه على ظهر الكرسي، تتدلّى رقبتُه للخلفِ، وجناحاه معقوفانِ للأسفل…
ينتقلُ لمشهدٍ آخرٍ غيرَ بعيد…
…
[ <<<| الجزء 1 ] – [ الجزء 3 |>>> ] …
ف. العبد الأمير
صباحُ الخير
بسم الله الرحمن الرحيم؛
صباح الخير والسعادة والصحة والعافية لكل البشر وبالأخص أحبتي وزوّاري لاسيما المقيمي داخل القلب. أصبحتُ اليوم والحمدلله بنشاط بعد عملية “Refresh” لجسدي وعقلي وها أنا ذا قابعة خلف شاشتي ولوحة المفاتيح أحتسي قهوة بالشكولاتة وأحصد بعض ما جال في رأسي منذ البارحة لحتى هذه اللحظات.
هل لاحظتم أنني كتبتُ البسملة المعروفة كاملة هذه المرة؟ عادة أكتب “بسمه تعالى” وإنها لعادة اكتسبتها لا لشيء إلا لأنني -فيما سبق- حينما أكتب على الورق، أبدأ بها بدون ذكر اسم الجلالة والإكتفاء بالضمير “الهاء“ تحرزاً من أن يكون مآل ذلك الدفتر سلة المهملات يوماً وتكون -لاسمح الله- فيها نوع من إهانة لأسم الله الأعظم. أما لماذا أذكر لكم هذه الملاحظة فذلك لأن أحدهم -ذاتَ حوار- قال لي: “لتعرفنهم في لحن القول“، يقصدني دون إساءة ولا انتقاص، أي أن فرقة ما أو مذهبي بالأخص يُعرف أتباعه من البسملة وكتابة (ص) عوضاً عن “صلى الله عليه وآله وسلم“، للحقيقة أدهشني كلامه! الله سبحانه وتعالى واحد: “قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى“. وهل يحتاج الأمر إثباتاً على أني مُسلمة أشهد الشهادتين -أو الثلاث- بأن أكتب البسملة وفقط كما وردت في القرآن الكريم؟ أمْ للتكفير مآرب أخرى؟ عجيب أمر ابن آدم حقاً.
لمحتُه بالأمس يمر من جانب الباب ولم أصدق في بادىء الأمر أنه هو، ببساطة لأنه من أشباه المستحيلات أن يزورني في فترات متقاربة جداً مسافتها 7 أيام! لو كانت 7 أشهر لتأكدت دون تخمينات أنه هو. أقول له إن كان لازال يستمع من خلف الباب: أنت أجبن وأعجز من أن تناديني باسمي ولا أنت قادر على أن تبادر بتحية أو مجاملة باهتة: “مرحبا يا أخت العرب، كيف الحال؟“. على أية حال يا أخ العرب: كيف حالك؟ عسى أن تكون بخير. ^_^
بعض الناس يدخلون القلب بلا استئذان وبعضهم يطرق للنهاية ولا من مجيب. وبعض الناس يمرون مُرور الكرام أو ما كأنهم مرّوا، والبعض الآخر يعبرونه -أي القلب- في حياءٍ ويتلفتون حولهم خشية من أن يكون شاهدهم أحد ويفضحهم. وبعضهم يدخلون ولا يهتدون سبيلاً للخروج، يتيهون في الداخل لسنوات فإما أن يعيثوا فيه الفساد ويعطلون سير شرايينه أو يربضون منتظرين الفَرَج الفَرَج للسماح لهم بالإقامة بدون ضرائب، وثمة من يبحث عن ملجأ فيه بالإكراه. وهناك الفئة المختارة؛ يريدون الخروج ونمنعهم لحاجة في القلب تجاههم، يرفضون التيه بالداخل ويسعون بكل طاقتهم للخروج منه، حياتهم مغامرة ولهذا عبروا بغية الإكتشاف لا أكثر لكنهم… تورطوا! والبعض الأخير منهم، كلما فتحوا باباً للدخول وجدوه مخرجاً يتسع لفيلٍ أو جَمَل. يا سبحان الله!
باتت الكتابة عن الحُب وقصص العِشق وحِكم وخُلاصات الحياة في الحُب شغلة من لا حِرفة له، لا تعرف ماذا يريدون من هذه الموضوعات ومن تكرارها ونقلها وتداولها… مع أني أكتب كثيراً عنها وحول أمور القلب؛ إلا أنني أضيق بها إن كانت محتشدة في وقت واحد وفي مكان واحد ومن شخص واحد! شرعتُ أخيراً في تحبير مشاهد متتابعة بعنوان: “بداية ونهايات” وأتساءلُ أبعد هذه الموجة سأضيفُ بقية المشاهد في القريب؟ أم أتريثُ إلى أن تمُرّ هذه الموجة بسلام؟. بالمناسبة؛ ماذا تعرفون عن الحُب؟
يُخطىء الناس في تعريف “الصداقة“ والتفريق بينها وبين مجرد “معرفة“. الأصدقاء؛ عُملة نادرة و… جِدّاً. أن يكون الأصدقاء من الأقارب أمر أشبه بتوافر الخِّل الوفي! أما أن تحظى بالصداقات المتينة من شبكة الإنترنت فالأمر لا يعدو كونه “نُكتة“ العصر، ومن يعرفني يعرف ما أعنيه تماماً. لأختصر الفهم؛ العلاقات الرقمية مع انتفاء إمكانية اللقاء الجسدي الحِسِّي مستحيلة! ولا صداقات بين جنسين مختلفين تتحقق إلا وهماً محضاً ولدته حاجة مُلِحَّة ما تنفكُ أن تنقشعَ تلك الغمامة عن الأذهان تاركة خلفها عبرة لمن لا يعتبر، وكي لا أعمِم فأُرجم بالحجارة، إلا من رحم ربي وكان ذو لبٍّ نظيف فكانت تجربة تضيف إليه خبرة في التعامل والحُكم على الناس بأكثر من طريقة على اختلاف طرق التعارف والتواصل… أعود وأنقض استثنائي وأقول: لابد من شيء يبقى هناك لا يبعث على الرِّضا التام!
الثقافة؛ ثقافة العرب لم تعد عربية! ثقافة رقص وأغاني هابطة، ثقافة أفلام أجنبية وعُنف، أفلام كارتونية غربية قمة السُّخرية والإبتذال والقذارة، دراما كورية (المتتبع لأعلى إحصائيات مدونات وورد برس العربية يعرف هذا جيداً)، أو ثقافة مسلسلات الأنمي اليابانية اللانهائية؛ المحقق كونان، ون بيس، بليتش، ناروتو. ألا يضجرون؟. رحم الله الكُتب العربية ورحم الله اللغة العربية. أعذُرُها حينما رثت حالها بـ“ليتني عقِمتُ“… آهٌ أيها القارىء الكريم؛ “لا تلمني في هواها، ليس يُرضيني سواها“.
؛
هذا، وصلى الله وبارك على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الأطهار وأصحابه المنتجبين الأخيار.
كنتُ هنا بكامل قواي العقلية والجسدية بفضل من الله تعالى؛ الخميس 27 من شهر مارس، أبثُّ ثرثرتي رقمياً على مرأى من أعين البشر وممن يقرأون…
؛ يسعدني مشاركتكم والتعليق على تدوينة “صباح الخير“: [هنا] أو [هنا].
؛
ف.العبد الأمير
Posted in فُصُولٌ ولبياضِ قلبي؛ سلامٌ!, إنّهم بَشَرٌ
Tagged فيل, قهوة بالشكولاتة, كونان, مسلسلات أنمي يابانية, نكتة, ناروتو, أفلام كارتونية, القلب, الله, اللغة العربية, الأصدقاء, البسملة, التواصل, التعارف, الثقافة, الحياة, الحب, الصداقة, الغمامة, اسم الله الأعظم, بليتش, بداية ونهايات, جمل, دراما كورية, صباح الخير, علاقات رقمية
بِدَايةُ وَ نِهَايات | 1 : نِهاية!
بسمه تعالى؛
،’
مُنكبٌ على طاولة مكتبه الأسود الصّقيل، يُقلِّبُ أوراقاً ويُراجع دفاتر الحِسابات، يدقُّ الورقَ برأسِ قلمه البُني كدقاتِ عقاربِ ساعةٍ سُويسرية عريقة. يفرُكُ شعرَه بيده الأخرى متوتراً شارِدَ الذِّهن، تدقُّ رأسَه بعُنف تلكَ الحُروف المُستميتة: “أريدُكَ أنت!”.
زفرَ هواءً محمُوماً وتنفّس بهدوءٍ، أغمضَ عينيه يسترجعُ مواقفَ قِيلتْ فيها تلك النَّغمة التي لا تنفكُّ تُرهِقُه: “أريدُكَ أنت!”. استغرقَ وقتاً ليسَ بقصيراً لينبشَ ذاكرتَهُ الفوضَوية، الرَّتيبة!
هُناكَ، في إحدى زَوايا عقلِه المَنسيّة، وجَدَ صورةً باهتة؛ رجُلاً وإمرأةً يجلسان في حديقةٍ صباحَ يومٍ ربيعي، بين عطرِ الأزهار تنشُدُ العصافيرُ أعذبَ الألحان. الإثنانِ مُبتسمان، جامِعاً يديها بين راحَتيه، يُحرِّكُ شفتيه وعينيه أسَرَتها، فاصطبغتْ وَجنَتَيها بلونِ الوَرد حين همَسَ لها: “أريدُكِ أنتِ!”.
عادَ للواقعِ بعينينِ مُتسِعَتينِ، كمن اكتشفَ حقيقةً خطيرةً كانت ماثلة أمامه كُلَّ الوقت، لسنواتٍ طويلة لم يُمعنِ النَّظر إليها سوى الآن:
“يا إلهي! كمْ كنتُ أعمى!”.
وعلى الفَورِ، رتّبَ أوراقَهُ ورَكَنَ الملفاتِ جانبه الأيمن من المكتب واستوى يتفحصُ هِندامَه… يرتدي وَقَارَه وينهضُ مغادراً مقرَّ عمله، قاصِداً أقربَ مَحلٍ يبتاع منه الزُّهور الحمراء التي تُشبِهُها. امتطى العَرَبة بترانيمِ عاشقٍ يستعدُّ للُقيا الحَبيبة، يكادُ لا يُبصرُ الطريقَ بعينيه، صُورٌ كثيرةٌ برزت تتابعاً أمامَه؛ تارةً يضحك بهُدوء وأخرى يستطرِدُ في البعيد بصمتٍ كَئيب. وَصَلَ للمَرسى ليرويَ عاطِفتَه المُتأجِجة، المُستيقظة -للتو- بعد سُباتٍ وَجَفَاف. رَسَم في مُخيّلتِه مَشهدَ اللقاء:
“لنبدأ من جديد، أحبكِ… سأطبع قُبلة على الجبين واحيطها بذراعيّ”، كان يُحدِّثُ نفسه بذلك.
يسحبُ هواءً جديداً مِلءَ رئتيه، ينفُثُه، ثم يُديرُ المفتاح في قُفلِ الباب…
تقدّم خُطوةً للدّاخل، وأضافَ أخرى لتتعثّرَ بجسمٍ معدنيٍ أرسلَ في السُّكونِ رَنيناً حادّاً، يتتبعُ الصوتَ والحركة اللولبية-المُستقيمة للجسم، إلى أن توقّف بعد ارتدادٍ بسيطٍ، لمسافةٍ من الحائط القريب، وما كانت تلك القطعة المعدنية الرّنانة إلا النُّسخة التوأم عن مفتاحه الذي لا يزالُ بيده. للحظةٍ، يُحدِّقُ في اللا شيء، شُلّ تفكيرُه وظلّ الصّدى يُدوي في رأسِه، ذلكَ الصّدى الذي كشَفَ عن خواءِ صدرِه متأخراً… انفرجتْ قبضتا يديه بتلقائية، تسقُطُ سِلسلةُ المفاتيحِ وتتناثرُ الزُّهورُ مُبعثرةً بين قدميه.
تتعددُ النهايات لبدايةٍ واحدة… وللحياةِ بقية.
[ الجزء 2 |>>> ] …
؛
ف.العبد الأمير
نُتوءات
بسمه تعالى؛
لمْ أدرِكْ أنَّ الجَري شرقاً يُعجّل بالمغيب، لمْ أدرِكْ أنَّ السَّعيَ لمُعانقةِ الشَّمسِ يختصرُ على الظَّلامِ زحفَه.
لمْ أعِ مقدارَ ذلك الألم بقُربه وأنَّ وحشَ الغُربة يفْترِسُني، جرعاتُ الوحدة بجواره تقتلعني، افترشتْ التعاسةُ قلبي وجمَّدتْه فظننتُ أنَّ السَّعي باتجاه نورِ الشمسِ يُكسِبُني الدفء. بل نصّبُتُه الشَّمسَ بعينها وركضتُ شرقاً لملاقاته فلم يزدني ذلك إلا بُعداً ولم يُكسب ذلك الفؤاد إلا برودةً وصقيعاً، إلى أن تمكنَ الإرهاقُ من جسدي وتسرَّبَ اليأس إلى قلبي، ظلّتْ صورته جاثمة بقسوة تتربعُ عرشَ ذكرياتي… تُعذبني وتُدمَعُ مُقلَتيَّ.
أدرِكُ الآن ذلك الشعورَ بالوَحشَةِ وعُمقِ المسافة بينه وبيني، وضعتُ يدي -الآن- على جُرحي النازف. أعماني، كنتُ أرى أنه يُطبِّبُه، جرحٌ كان ينكأُهُ كُلما اقتربتُ منه يمزقه، كان يتفنن بتلويثه وزيادة غُرَزَهُ الناتئة، علاماتٍ لا يُمحيها الزَّمن. حَرَصَ أن يُقلِدَني ذكرياتَه؛ تلك النَّدبات على صدري، ثقوبٌ أتحسسها وكلُّ غرزةٍ لها ذكرى مختلفة.
فهذه الغرزة الأولى؛ يومَ همّشني وتعلقتْ بسرابه، وهذه الغرزة الثانية؛ يومَ أبعدني وأقصاني… هذه الثالثة يومَ رماني بتهمة جَلدِهِ وتعذيبه، وهذه الرابعة… وهذه الخامسة…
كم مِن أثرٍ ترَكتَه على صدري؟ كم من مرارةٍ غرغرتَ حُنجرتي؟ كم ذكرى موجعةٍ خندقتَها في رأسي؟
فِعلتُك الوحيدة التي لمْ تحْتَج لأن تكررها -فقط- حينما غسلتَ دماغي لأصدقكَ بأني ساحرة بشعة أتقنتْ شعوذتها فألبَسَتْك سُودَ الَّلعَنات…!
كما نحتاجُ النهارَ لنرى الظواهر بوضوح، نحتاجُ الليلَ لنُبصر بواطننا بجلاء.
؛
ف.العبد الأمير
22-5-2010







