في الرابع عشر من فبراير

بسم الله تعالى خير الأسماء؛

لا يعني لي الرابع عشر من فبراير أيُّ شيء، فالأيامُ للشّمس ولا أعرف إلا ليالٍ حالكة تُفصِّلها أوجه القمر“.
لكنِّي ابنةُ النّورِ -قطعاً- ولي في أيامِ “أُمّي” إرثٌ مُحلّلٌ ونَصِيبٌ.
(...
أشرقتْ شمسُ الرابعِ عشَرِ من شَهرِ فبراير، فَعَاد. شَوقُه ولهفتُه مَنَعاهُ أنْ يُغمضَ عينيه قبلَ أن يكحِّلُهما بنورِ عينيها. بقي يوماً ونصفَ يومٍ و أكثر من ثُلثٍ أخرٍ، دونَ نوم. أعادَ إليها رُوحَها المسْلوبة به، بلا أعذارٍ يستندُ عليها إلا تراكُمَ أكوامِ القَهر والغَضَب مغلّفةٍ بالصمتِ اللا إرادي، ولأنه لا يُحبُّ سَرْدَ تلكَ الأحداثِ إليها؛ يتجنبُ تداخلَ أحزانِه بأحزانِها، خِشية أنْ لا يعودَ بعدها قادراً على انتشالها من الكآبة. اجتمعا بعد حِرمان، تسامرا، ضحكا كثيراً، أطلقَ جُنونه المُعتاد بصحبتِها وزاده السَّهر ثمالةً بها. أخبرها عن أيامِ الكَبْت الطويلة وأنَّه ما بَرِح ذائباً في هواها، تناثرتْ حُمرةٌ دافئةٌ على وجنَتَيْها، تبعثرتْ حُرُوفها، وصمتَتْ حينَ أردَفَ: “لمْ أعرفْ أنكِ قد أحببتِني إلا اليوم، لذا، لنْ أغيبَ عنكِ أبداً”. لثوانٍ، غيّبها سؤالٌ يكادُ ينفجرُ بها: “السَّنواتُ العُجافُ تلكَ التي انتظرتُكَ، التي أبكاني فيها غيابُك، الأيامُ التي عَزَلتْني عن الحياة، ألَمْ تُخبركَ بأني كنتُ ميتةً قبل أنْ تأتي؟”، لكنها، آثرتْ أنْ تبتسمَ فقط على أنْ تسألَه فتفقده، فهو كرذاذِ الماء، إنْ شَعَرَ بالنَّدم لأنه يُزيحُ أستاراً، كاشفاً أساريره دونَ تحفُّظ؛ سُرعانَ مايتبخرُّ. جزءٌ مِنها يبادِلُه شُعُورَه نفسَه، أنَّها ماعرفتْ حقيقةَ مكنوناتِه إلا لحظةَ الإعتراف إيّاها، بقرارِ الإستقرار، فأسرّتْها في نفسِها ولمْ تردّ إليه ما أخرسَهَا به، كي لا ينطَفِىء. أضحتْ أكثرَ وعياً به، أشدَّ انتباهاً لإحتياجاته وإحساسه، فقد علَّمتها مرارةُ الحِرمانِ منه الكثيرَ الكثير. تعرفُ تماماً أنّه لا يطيقُ صمتُها، لا يُحبُّ حُزنَها، كما وتعرفُ لا صبرَ له عنها؛ شرّعتْ له قلبَها على مِصراعيه، أمطرتْ أعذبَ الكَلِمات، أفشَتْ كلَّ أسرارِ حُبها إليه، ماعادتْ تتستّرُ بالخَجل ولاتتهربُ مِنْ مَشاِعِرها تجاهَه، كونها أحبته ولا زالتْ تهيمُ بذكراه، تخلّتْ عنْ خوفِها.
في الخامس عشر من شهر فبراير، انقطعت الكهرباء!
وفي السادس عشر من الشهر نفسه، أمسَتْ متكورةً على نفسِها مُتلحِّفَةً ألمَ صدرِها، لمْ تنمْ البارحة ولمْ تنهضْ مِنْ فراشِها إلا بعدَ ميلِ مصباحِ السَّماءِ للأُفُول، انتصبتْ فاقدةً الإحساسَ تماماً مِنْ كلِّ شيءْ حَولِها، ذَابلةً، مُتيبِّسةً كجذعِ نخلةٍ خاوِية.
في العشرين من هذا الشهر، فبراير، سَمِعنا مِنْ خلفِ النَّافذة الصّغيرة قهقهاتٍ صَاخبةٍ، لا تبدو أنَّها حائلةً لانقطاعٍ، مُستَرسَلةً، أدركنا بأسَى أنَّها صرخاتٌ لا تصدر إلا من فاقدٍ لرُشْدِه أو ذاكِرتِه، أو قَلْبِه.
اليومُ، الثاني والعشْرون مِنْ شهر فبراير، السُّكون هو الغالب مِنْ تلكَ الزّاوية، كأنِّي أشُمُّ رائحةً وشَجَنٌ يتسرّبُ مِنْ خَلفِ الستائر إذ ينتصرُ الموت.
).
ف. العبد الأمير

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s