بسم الله الرحمن الرحيم ،’ “ما لكِ؟ ألا تسمعيني أو تفهمين ما أقول؟ لا أريدُ منكِ، ولا من أي كائنٍ حيّ على وجه الخليقة شيئاً،
أنا لا أرغبُ في مشاركتك أمور حياتي الخاصة؛ كُل ما يُمكنني قوله لكِ، فقط: أنني بخير، ومشغولٌ بأمورٍ مُهمّة، ولا وقت لدي للثرثرة!“. ،’
من الأمور الطريفة في هذه الحياة، عَلاَقةُ الأمِّ بطفلها. إذ حَالما يبدأ بالحَبوِ الأوَّلِ وخُطُواتهِ الأولى؛ حتى تنتقلَ الأمُّ للمهمّةِ الشَّاقّة التالية، فِطرياً؛ إلى المُراقبة والقلق، والخوف مِنْ أنْ يبتعدَ صغيرُها عن ناظِرَيهَا، أو تغفلَ لحظةً عنه، فيتأذّى، يختفي أو يضيعَ منها فلذةُ كبدِها الغالي. أشبهُ بعمليةِ مُطاردة أمهرِ اللصوص المُحترفين!
والطفل الصغير، ما أنْ يتمكّنَ من الإنفصالِ عن حُضنِ والدَتِه؛ حتى ينطلقَ ليسكتشفَ الحياة الأخرى، التي طالما عاينَها من فوقِ كتفيها وحلُم بلمسِها؛ حياةٌ تختلف عن ظُلمةِ الأحشاءِ التي اكتَنَفها أشهُراً طويلة، بعيداً عن وسادةٍ كانت صدُرها؛ يستعجلُ العدُوَ ويتفننُ في الهروب، بالركض إلى مسافاتٍ لا يُدركها بصرُها، يمتَهِنُ المُراوغة والاختفاء.
النُّكتة، أنَّ ذلك الذي كان جنيناً ضعيفاً، ثمَّ رضيعاً ومحمولاً، حينَ يلتفتُ خلفَه ويرى بأنَّ أمّه ليست تتبعه، وقد أخذتهُ قدماه إلى أماكنٍ جديدة؛ يشرعُ بالبُكاء المُشجي! لأنَّه الأسرعُ عدواً والأخفُّ حركة، الأكثرُ حيويةً ونشاطاً، الأقلُ إدراكاً لأهميةِ تلك العينِ السَّاهرة والحُضن الدافئ، وتلك الأسوار المنيعة؛ المسكنِ الآمن. تخذلُه شجاعته فينتحبُ، ويا للعجب! يظلُّ واقفاً ينتفِضُ رُعباً أنْ لا تصِلَ إليه أو أن لا تستدلَّ على مكانه، وإنْ طالَ تأخُّرها يوماً؛ أخذَ يصبُّ نارَ غضبِه عليها، واضعاً إياها في قفصِ الإهمال، بتُهمة ارتكب -هُوَ- جريمتَها وكان جُرمُها التَّعب والإرهاق مِن متابعتِه!
في بعض الأحيان؛ يستدركُ الشّقي خطأه، فيتراجعُ ويعودُ القهقرة باحثاً عنها، فمن سِواها يُطبِّبُه عند مرضه؟ ومَن سِواها تجوع لتُطعِمَه؟ ومَن غيرُها تُجرح منه فتداوي بدموعِها آلامَه؟ بل وأيُّ مخلوقٍ -عداها- يغفرُ له حماقاتِه وسوءَ خُلُقه وإجحافِه؟
الأُخت، النُّسخة المُصغّرة عن أُمِّه، حنانٌ مُطلق، اهتمامٌ وقلق؛ إنما جِراحاتها -منه- أعمَق! الأخطاءُ المُرتبكة في حقِّها أكبرُ وأمرّ، فلا وصاية أو تعظيمٌ للأخت كما مشهُودٌ للأم. على الأُختِ الرِّعاية والتحمّل والصَّبر، دون أن يكونَ لها وثائقٌ تذكيرية تضمنُ حقوقها. وحيثُ يستحيي من والدته بعض الشيء، فلا يتمكن من البوح بكل ما في صدره لها؛ إلا أنَّه يخلعُ لباسَ الوقارِ والاحترامِ في حضرة أُخته، تكادُ تنعدِمُ المسافاتُ الفاصلة. وفئةٌ سيئةٌ منهم؛ يخلعون الحياءَ كاملاً، بالألفاظ السيئة والتكبّر، ولا يستنكرون الضّرب والتعذيب.
بشكلٍ عام؛ الأذى للأم نفسيٌّ وعَصَبي، وللأختِ نفسيٌّ وعصبيٌّ، وجسديٌّ أحياناً أخرى، ولا تملِكُ إلا الصّمت والتغاضي والتسامُح، لعله يثُوبُ لرُشده أو يعقِل، أو يشعُر أو يتعلّم.
أيها الرّجل، يا أيُّها الطفل الكبير؛ قلبان يقِظان، وبالدّمِّ لك أُنثَيان ترعَيَانك، يصِلانِك وإنْ قاطعت، لا طلباً لحاجةٍ منك ولا طمعٍ بشيء تملِكه؛ تفرحانِ لك وتشقيان لِتُسعِداك؛ فما أنت لهما صانِع؟
،’ “أشكُر تفهّمك، حينما أرغب في مُشاركتك أموري؛ سوفَ أفعلُ دونَ الحاجة للطَلَب ولا أن يكون ذلك بالإلحاح!“. ،’
همساتُ المَسَاء: حين غشيني الظّلام ناديتُك، أعرفُ يقيناً بأنك هُناك، لم تُجبنِي وتكتفي بالصّمت. أخشى أن تُضيّعني فلا تعرفَ طريق العودة إليّ،
أخافُ أن تفقدني إن بادلتُك الجَفَاء أو تظاهرتُ باللامُبالاة، لذلك كنتُ ولا أزالُ حريصة على البقاء بمقرُبةٍ منك، في العراءِ أقِف؛
فيومَ تعصِفُك الأقدارُ -لا سمح الله- سوفَ تحتاجُ صدراً آمنِاً لتبكي،
يحتويك قلبٌ حينَ تصفعُك دُنياك!