Tag Archive | البكاء

لا تُهَاجِرنـ(ـي)

بسم الله تعالى خير الأسماء
،’،

مِنْ حِكمة ورحمةِ البَاري، جلّ وعَلا؛ أنه لمْ يُمكِّن لغيره كشفَ ما في الصّدور من أحاديثٍ ونوايا وأفكار، حُزنٍ وشكوى وآلام، ولا غيُره يطّلِعُ على الأنينِ ويسمعُ حديثَ النُّفُوس.
فلو قُدّر للمخلوقاتِ سَمَاعُ وفهم ما ورَاء العُيون، حديثَ القلب والشُّجُون، الإنطباعات وماذا يدورُ في أفلاكِ الصُّدور؛
لالا، لا أتصوَّرُ ماذا يُمكِنُ أنْ يحدُثَ حينَهَا…
،’،

هذا الصّباح،
إنَّه يُرفْرِفُ بعُنف،
يريدُ أنْ يطيرَ بعيداً لمكانٍ ما، لأيِّ مكانٍ،
لا لِوجهةٍ معروفة ولا لشخصٍ مُسمّىً بعينِه.
أيَا قلب!
ألا تُخبرني إلى أينَ تهفُو، مُتعجِّلاً،
إلى أين نويتَ هِجرةً هذا الخَريف؟
سُكونٌ؛
لا يستجيبُ هذا المُرتَعِشُ لِكَلامي،
يريدُ أن يفعلَ ما يشَاءُ وأنْ يذهبَ إلى حيثُ يُريد،
يتحدّاني،
يتمرّدُ عليّ…
أعِرفُ أنّه يتألّم،
أسمعُ بُكائَه بوُضُوحٍ،
في أعماِقهِ، مجروحٌ ولديه تقرُّحاتٍ تُوِجعُه،
غير مُستقرٍّ،
يريدُ أن يتخلّص من الذِّكرياتِ الغائرة، هُناك،
في مَغَاراتٍ مُظلمة، وتجَاويفه.
لا يا قلبي؛
ليسَ هكذا تُعالَجُ الرّوحَ ولا هكذا نُخفِّفُ الوَجَع.
الضّربات والأعاصير،
والخَنَاجِر التي استقرّتْ في خاصِرَتِك؛
لو تصدّاها غيرُكَ… لأَحَالتْهُ تَُراباً!
إهدأ يا قلب، إهدأ!
فأنتَ الأوسعُ والأجملُ والأنقى والأطهرُ بينهم،
لا بأسَ عليك بالبُكاء، إبكِ…
إبكِ يا قلبُ،
فما عيباً في بُكائِك أراهُ ولا سُوءاً عليك…
إبكِ…
أسمِع بُكاءَك جماهيرَ الألمِ والقهرِ والهُمومِ والأحزَان،
فيكَ، ومِنكَ، ولِأجلِكَ مَراراتٌ تتفتّقُ؛
فما عُرِف، من تحمّل بفخرٍ؛ وُشومَ الدَّهر مثلُك.
نَمْ،
بين حناياي توسّد الصّدر مأوى،
والأضلاع ملجأً وحُصنا؛
سأتلو عليك آياتِ الرّحمن،
سورة القَصص والفُرقان،
وأختمُ لكَ بالكُرسِي والمعوِّذاتِ أمْنَا…
نَمْ مُمطئِنَّاً،
لا تئِنُ بعدَها ولا شَياطينَ تخشى.
,’،

ف. العبد الأمير
8 – 14 سبتمبر 2011

اللا شُروق!

بسم الله تعالى خير الأسمــاء

؛~

السّماءُ صفراءٌ والهواءُ سَقيم، هذا اليومُ الشمسُ مريضةٌ.

؛~

في ذلك الصباح كنتُ مُشرقة باعتدال، مُنفرجة الأسارير قليلاً، لأنني غالبتُ الأرق في الليلة التي تسبق جبل الاحباط، الغيظ، وصرخة ألم غابت ولم أنتظرها، تناسيتها.
لو كتبتُ احباطات الزمن في الأيام السابقة لما انتهيتُ منها، ولو بكيتُ في لياليها لامتلأت مساحات واسعة بأدمعٍ سخية لا تنضبّ. تحديتُها فلمْ أبكِ، حبستُ مياه عيني لوقت الحاجة!
غمامةُ الغُبار الكثيفة التي عجّت بالسّماء قبل أسبوع ما كانت إلا كتراكمات الكآبة على قلبي، زفرتُها ليلاً وكان ما كان. لقد كنتُ أول المتضررين فيها إذ اضطررتُ للنوم بعيداً، كمُشرّدة مقولبة في صندوقٍ حجري؛ لا ضوء، لا ماء ولا هواء.

؛~

يا للعار المحيط بقلبي وأنا أذكركَ صُبح مَساء، في كلِّ لحظةٍ ومع كلِّ شَهيقٍ أتنفسُ نتانةَ روحك البغيضة المُنحدرة…
أخنقُ العبرة وأعيدُها خاسرةً مُنكسرةً إلى صدري، أدفنُها فيه عوضاً عن رأسِكَ المليء بالأحقاد، المُبطّن بشتى صنوف السّخط والاحتقار لكل البشر حولك، عرفتهم ومن لم تعرفهم نظرتك إليهم سواء…
أريدُ أن أكرهك، لكنك لا تعشقُ سواي أحد. ما الحيلةُ لأنتزِعُك منِّي؟
إنك أشبه بالتلوث البيئي، هكذا، مُضطرون للتعايش السِّلمي معه، لا يفارِقُنا ولا نتخلصُ منه، بل نحن -بسذاجة مُتجذِّرة- من يفتح له الآفاق لينتشر ويسير بنا إلى اللا حياة، وإلى اللا موت أيضاً.

؛~

الشمسُ تُشرقُ كلَّ يوم، تقريباً. إنها تتوارى خلفَ غيوم الشتاء قليلاً، لكنها تفعل ذلك أكثر في الصيف الطويل، تختنقُ صامتة خلفَ أطنانِ الغُبار والحرارة المُنبعثة من أسفلها، من الأرض لا من السّماء. تفعلُ ذلك لأنها مُضطرة للشروق، ليس لسعادةٍ بما تقوم به، إنما لتُوهم الناس أنه يوم جديد مختلف عن الذي قبله، لكنها تعلم أنه إن لم يكن أسوأ من الأمس فلن يكون بأفضل منه!

؛~

ننهضُ من مناماتنا مُتثاقلون لا نعرف أين يختبيء فينا الضَّجر، ولا الخاصرة التي يتربص بها خنجر الغدر، ولا ندري أي بوابة سترمينا بالقهر…
احتقاناتُ الغضب تزرعُ ألغاماً أسفلنا وحولنا، مؤامراتُ الفِراق تُحاكُ جهراً، انقلاباتٌ مصيرية كونية لا نملكُ إلا السير نحوها بابتسامة بلهاء، ربما صفراء أو لا لون لها إطلاقاً.

؛~

أظنني أعاودُ النَّزفَ قريباً على هذه الجُدران الصّمّاء، هكذا أراني عن قريب؛ أتساقطُ حروفاً بشكلٍ ما، لا تشبهني في شيء إلا… الحُزن، أو كآبة كغمامة الغبار الفائتة، أن أسردَ حكايات العجز واللا حيلة. كم أكره أن أغرقَ في مُستنقعات الحيرة والألم العُضال.

؛~

لا أدري إنْ كنتُ حقاً أتألم، أم أنني لا أعرف سوى أن أرتدي الألم درعاً!
البكاء يجسِّد الضَّعف، أنا أكره الضَّعف، والبكاءَ معاً!
أنا أقوى من كلِّ حالاتِ القهر والغضب، أنا الأقوى!

بلى أنا الأقوى…
ولِمَ قد أبكي؟

؛~

شخبطات؛
ف. العبد الأمير

زاوِيةٌ حَرِجَة

بسم الله تعالى خير الأسماء؛

“ما بالُ زاويتكِ… حَرِجة؟”.

ذلك أن زواياي؛ اعتذرتْ المنْقَلةُ أنْ تقيسَ درجاتَها!
إنها لا قائمةٌ ولا تستقيم… إنها -بالطبع- حادّة من الخارج، حَرِجة من الداخل! عسى أنْ يأتيَ يوماً فتنْفَرِج.

حينما لا نبوحُ بالمشاعر إلا كتماناً،
حينما لا نتكلمُ إلا صمتاً،
حينما لا يوجد حلٌّ سوى القمع العاطفي، القتل القهري لقلوبنا،
حينما لا يكونُ الإقرارَ بالحبِّ سوى جريمة،
حينما لا نملكُ في غيابهم، في حضورهم؛ إلا البُكاء،
وحينما، للأسف، لا نُزخرِفُ للأحزانِ إلا على أيامِ السّعادة، قُبُورا…
حينها… لا نستطيع أنْ نكونَ إلاّ زوايا حَرِجة!

لا ترحل…
قلبي لمْ يعدْ يحتملُ الوجع أكثر، لم يعدْ في العُمر بقيةً للألم.

ف. العبد الأمير

15-02-2011

مِنَ الصّعب أنْ…!

بسم الله،
راودتني هذه الأفكارُ والتساؤلاتُ والتعجّب…
سأحاولُ أن أكتبَ مباشرةً ودون تأنٍ طويلٍ فيما أكتبه.

بادِئة؛
إنه من من الصَّعب أن نكتبَ في حالاتِ الفرح والغِبطة كما يحدث في حالاتِ الحُزن، الغضب، الاعتراض وحالات الألم والصراخ!
نأتي لنسرُدَ بعضاً من خوالجنا وعن تلك الأطياف المُحيطة بنا فتعجزُ الكلماتُ عن وصفِ المعاني وتقِفُ الحروفُ مشلولةً أمامَ الفيضِ الروحانيِّ الشّفافِ الذي ينتابنا فيها…
لا القلمُ قادرٌ على التحرّك ولا العقلُ يغدُقُ علينا بأفكارٍ تعبّرُ عن اللحظة، حتى الخيال يشحُّ علينا بإيماءةٍ تُلهِمُنا لإيصالِ شيءٍ مما نشعر به…

هَلوَسَة؛
ينامُ الصغيرُ بين يديَّ فأضمُّه وألثِمُهُ بقُبلةٍ تتلوها القُبلة لا أريدُ أن أتركه وأحمِلُهُ للسرير وأغطيه وأطيلُ النَظَر والتأملَ في ملامِحِهِ المَلائكيّة وسماتِ البَراءة،
أحادِثُهُ في خاطري وأتمنى له أن ينموَ ويشبّ على الخير والصلاح، أصنعُ تاريخاً مجيداً له مشتملةً على حواراتٍ ومواقفٍ قد تمرُّ بأي إنسانٍ لا يُشبِهُ كلَّ البشر…
ولا تحضُرني الكتابة لحظتها!
وسط الإهمالِ والشُّرود، تأتيكَ مكالمة/زيارة غيرُ متوقعةٍ من أحدهم، قريبٌ من القلب بعيدٌ عن العين تجعلُ أساريرَك تنفرجُ وتضيءُ حناياك وتتجددُ ذكرياتٍ مضت، ما أسعدها من أيام!
تُنسيك اللوحَ والقلم!
تائهٌ في طرقاتِ الدُّنيا فتنتشِلُك أيادي الرحمة الإلهية في صورةِ إنسانٍ وفيٍّ مُخلصٍ يربِتُ على يُتمِكَ ويمسحُ رأسَكَ ويضمُّكَ إليه في حنانٍ نادر في زمنٍ غادر…
ولا تملكُ ما تسطِّرُ به الموقف ولو حاولت!
تحتكِمُ دوائرُ القَدرِ وتكادُ تنغلِقُ أو أُغلقتْ في وجهك، تركُضُ مُسرِعاً مُبتعداً عنها كي لا تبتلِعُك وهي تلتفُّ حولكَ وتكتَشِفُ أنكَ تسيرُ في مدارِها مسارَ التابعِ للكوكبِ السيّار،
في وجلٍ وسخطٍ ويأسٍ تنحلُّ هذه الدوائر مُعلنةً الفرَجَ مِن أوسعِ أبوابِ رحمَتِهِ وتنهِلُ عليكَ من العطَايا الجميلة تُنسيكَ كلَّ ما مرّ من أسى…
ولا تملكُ كلمةً تصِفُكَ حينها ولكن تتذكر المصاعبَ وصُنُوفِ القَهرِ تترى كلما سنَحَت لكَ فرصةٌ للبكاء!
لقاءُ الأحبة، مسرَّاتُهم، الإلتقاءُ بهم، الأنسُ بقربهم، ترانيمُ همَسَاتِهم، نبضُ القلوب، سلوى الرُّوح… أكسيرُ الحياةِ الخالدة…
ماذا عسانا نقول فيهم؟
تنحلّ سلسلةُ الحروفِ وتتساقطُ المعاجِمُ حرفاً حرفاً أمامَ هذهِ المشاعر الجيّاشة والمشاهِدِ الصادقة النقيّة،
ينجلي الحِبرُ وتعودُ صفحاتِ الكُتُبِ بيضاءً ناصعةً كسحاباتِ صيفٍ في صدرِ السماء في نهارِ يومٍ مُشمس، مرآةٌ تعكُسُ بياضَهم الأخّاذ…
أيُمكِننا تصورُ هذا الكمّ الهائلَ من السعادةِ الغامرةِ بوجودهم؟
الإحساس بفرط حُبنا لهم يخلقُ لنا أجنحةً تطيرُ بنا في سماواتٍ سبع… القلبُ يرتجفُ هدوءاً على أنغامِ أصواتهم العذبة…
حتى في صمتهم سكونٌ مُلحَّن!
ماذا يمكنني أن أكتب أيضاً؟ لا أدري…

تعقيب؛
الدّمعة؛
هي تلك الوحيدة التي تعبِّرُنا وتصِفُنا، تتقلقلُ تَنْسَلُّ بلطفٍ بين الجفونِ وتنسكِب بدفءٍ ونقاءٍ خالصٍ على الخُدود…
الخُدود؛
تلكَ المساحةِ المُمتدةِ التي تشهدُ شلالَ دمعاتٍ حارقةٍ أيامَ الحُزن والشَّقاء اللامحدود…
؛
وعلى بياض؛
أختكم: ف. العبد الأمير