Tag Archive | الظلام

5555 – رسائل فائِتة!

بسم الله الشافي المُعافي مُطببِ القُلُوب،
بسم الله تعالى الذي لا ينسى عباده،
بسم الله تعالى خيرِ الأسماء.

،’

ليلةُ البارحة، ليلةٌ تلتْ صدمة العُمر بصغيري، راسِم ضحكاتي المُجَلجِلات؛ ساكِبِ دمعاتي أنهار وشَلالات… لِماذا؟

،’

خمسُ وساداتٍ صَغيرات تُشاركني سريري، احتضنتُ إحداها وتركتُ البقية تتدحرجُ بمِلءِ إرادَتِهَا، على يميني، ثمَّ إلى الأرض!“.

داهمني ألمٌ جسديٌّ عارِض، لم أكن أتلوّى مِنه، وتمنيتُ لو أن أحداً يتولّى إطفاء المصابيح، لم أشتهِ تلك الأضواء البيضاء السّاقِطة فوق رأسي، هاهي أختي تمرُّ أمام باب غُرفتي، ليتَ أختي تسمعُ ندائي دون أن أنطُق فتُسعِفُني بالقيام بالمُهمّة الليلية الشّاقة؛ إطفاء المصابيح، لستُ الليلة كما كُل ليلة يا أُختاه، تعالي ولا تستنطقيني! لكنها لم تسمعني، لم تأتِ صوبي، تجاوزتني إلى غُرفتها البعيدة.

،’

- فيمَ أنتَ مُنشغِلٌ حاليّاً؟
– جالِسٌ في المقهى، في انتظار صاحِبي!
– يا حياة العزّاب!!

يكسِر الرّتابة بابتسامته اللطيفة:
– جميلةٌ، ومُريحة!
– إه… خاليةٌ من المسؤوليات، ومن العَواطِف…
– كُلٌّ شيءٍ وله… ثَمَن!
– … وله نكهتهُ المُميّزة، طَعمٌ آخر، لا يُشبه طعم القهوة على طاولة المقهى!

يُرحِّبُ بصاحبه الذي وَصَل قاطِعاً همسنا، يصمتُ لخمس دقائق، يُردِف بابتسامة أُخرى:
– لا يُشبهُ شيئاً، سِواه!
– …“.

إلى هُناك وتوقّفت قُدرتي على الرّد، وعلى التساؤل أيضاً، ولأترك مسافةً حُرّة يتسامر فيها مع ضيفه المُنتَظر، كالمُعتاد…
تركتُني والألم يُزمجِر بصوتٍ أعلى من ذي قبل… سأُسايره الليلة إذاً، إنه عنيدٌ حقّاً.

أتقلّبُ على جانبي المُتّقِد، الأيسر، ثم أنتقِلُ للأيمن، وأُحرِّكُ وساداتي معي، إثنتان خلف رأسي، وواحدة فوقه، والرابعة تختنِقَ بين صدري ويديّ المقبوضتان إلى حيثُ قلبي يضجُّ بالحيرة والتساؤلات، وتركتُ الخامسة تشقُّ طريقها إلى الأسفل بهُدوء تامٍّ، أدعُها تفعل ما يحلو لها دون اعتراض منِّي على هُروبها، فمرجِعها إليّ بعد سويعات قليلات.

أرفعُ الوِسادة من على وجهي؛ كم من الوقت غافلني، دقائق أم ساعات؟ لا أدري، لا تزالُ المصابيح البيضاء فوقي تُربِكُني وتُزعِج عينَيّ النّافرِتين من الضّوء، أتحوّل مرة أخرى على جانبي الأيسر، وأُعيُد الوسادة لتستقرّ على صفحةٍ شَاحبة، هو ذا… وجهي.

،’

تجاوز الفجر ساعاته الأولى، طرقٌ خفيفٌ لا يكادُ يُسمع، تمتدُّ يدُ الرّحمة، المُتمثِّلة بأصابع الأم الحنون، فيستحي الضوء منها، وعمّ الظلام والسّكِينة، شُكراً أمّاه، الشُّكر لك ربّي، أخيراً وصلتني النّجدة، قلبُ أمي يسمعني ويُلبي النِّداء، شُكراً لك ربّي، الشُّكر لك ربي.
وغفوتُ لحظتها كالمُرهق بعد سفرٍ شاقٍّ طويل.

بلى! العُمر رِحلةٌ لا تنتهي إلا عند باب القبر!“.

،’

ألم أخبركم بأنِّ ذاك السّلطان، النّوم، لا يختَلِفُ كثيراً عن زُمرة السّلاطين؟ (How are you feeling?)
إذ يُعاندي منذُ سنوات ولا يحضُرُني، باغتني ليلة البارحة، متواطئاً مع الألم، واستيقظتُ قبل الشّروق بأربعون دقيقة،
كانت هُناك رِسالتان في انتظاري!

رسالة (1)، الساعة 01.26 فجراً:
مُحسِن: “تصبحين على خير يا بعد عمري- صورة

رسالة (2)، الساّعة 01.44 فجراً:
(…) : “بعدك سهرانة؟؟“.

إنّها ابتساماتي الصّباحية وزادَ يومي الجديد.
فالحمد والشُّكر لك ياربِّ على نعمك وعطاياك العظيمة،
الحمدُ لك ربي، يا جابر القلب الكسير، يا ناصر المخذُولين.

،’

عنونتُ التدوينة بـ 5555؛
هو الرقم الافتراضي للتدوينة، بحسب عداد التدوينات على الموقع،
تركته وألحقتُ بعده العنوان الحقيقي؛ فالتغيير جميل!

،’

ف. العبد الأمير
الخميس، 05.52 صباحاً
26 أبريل 2012

مَاضُون: إلى أينَ؟

بسم الله تعالى خير الأسمــاء
/

هذا العالم الذي أعيشُه، وهذه النَّاسُ التي من حولي، تلك الأجسادُ الخَاويةُ تماماً من الرّوح؛ إنهم إحباطات بل وأشدُّ أنواعِ الإكتئاب قسوة، الضَّجر متفرِّعٌ… مللٌ مللٌ ملل!

وجوهٌ بلا ملامح، تتراكضُ خلفَ السّراب، العطش المادي يتلظّى في عروقهم لحظة بلحظة، إلى أين أنتم ذاهبون على وجه السرعة؟
خلّفُوني، أبعدوني للوراء، تعبتُ من محاولاتي للتخفيف من عنائِهِم، نعم، لقد يئِستُ وتوقفتُ عن اللحاق بهم بغية تهدئتِهم وإجلاء الغمامة السَّوداوية عن أعينهم، كلُّ السُّبلِ المُتَّخذَة لتوضيح الصورة الحقيقية تبُوءُ بالفشلِ الذَّريع!

لطالما أتهموني بالحِنق واليأس والسَّخط على الدنيا، كدتُ أركنُ إليهم وأُصدِّقُهم أوشكتُ أن ألجأ إلى الموت في الظلام وحيدة، لكن… استيقظتُ من ذلك الكابوس المُريع.
أعينُهُم تدورُ وقُلُوبهم فارغة، لاهثون يطلبون السَّفاسِف في زمنٍ انعدمتْ فيه المِثَاليَّات والأخلاقيات باتت أساطيراً نحكيها للأطفال، الذين لم يعودوا أطفالاً!

قُساة هؤلاء المُرتَدُونَ زِيَّ البَشَر، وحوشٌ مُتربِّصةٌ تتحيَّنُ الوقت الأمثل لإقناصِ رُوحي واقتلاعِ قلبي المُرتاع بهم، أجاهدُ أنْ لا يصطادُوني مرةً أخرى، فإنْ نجحتُ -بصعوبةٍ- بالإفلاتِ من قبضتهِم مرة؛ فلن يتركوا بابَ القَفَصِ مفتوحاً كُلَّ مرّة.

لا أحِبُّ أنْ أكونَ مثلهم ولا قُربهم، ولا أنْ أحذوَ حُذوَهم في تداولِ أيامِ عُمري الباقية كما يُريدون مني أنْ أفعل: جفافٌ، عُدوانِيَّة، لا تواصل وإنشِقاقٌ، الغَرَقَان في الـ”أنا”…

/

4 يوليو 2011
ف. العبد الأمير

وكمْ للهِ مِنْ لُطفٍ خفيّ (*)

بسم الله تعالى خير الأسماء

يالله، ياااا الله، ياااااا الله!
تعتقد صديقتي أن تعبي وأرقي، وتأثيرهما الكبير عليّ، عائدان إلى أن رأسي “يشتعل” وعليّ أن أخمد نيرانه، أن أعطيه استراحة قصيرة من الغوص والتعمق في كل شيء.

،
ندعي نحن البشر الذكاء والقدرة على تولي زمام أنفسنا دون مساعدة ودون توجيهات، وتظهر هذه الحالة عند أول مواجهة، نعتقد أنها حقيقية مع الدهر، عند أيام شبابنا الأولى، فنتظاهر الصمود والقوة وداخلنا ينطق بقلوب طريّة بدأت مبكراً تنصهر!
جُبناء نحن البشر. نهلع لغياب أحدهم ونجزع لموت آخر، لا نريد التصديق أنه من يذهب لا يعود للدنيا، نتناسى أننا لاحقين به لا محالة وإن لم يسبقنا أجَلُه لعاجلتنا المنية قبله. في دورة الحياة، هكذا نعيش، هناك من يكون قبلنا وهناك من نكون قبله، حتى مع اختلاف الأسباب والظروف؛ لا مجالات أخرى ولا خيارات.

من جملة ماقرأت الأشهر الماضية رواية “الخيميائيThe Alchemist” للكاتب: باولو كويلهو. بعدد صفحاتها المتواضع، إلا أن فيها تأملات ووقفتُ فيها على أبعاد قلّما أجدها في رواية خيالية أخرى. يبدأ الكاتب بشخصية راعٍ عادي رأى منامات ثم يلتقي بشخص عظيم ويأتي عرّافة تتنبأ له بالحظ السعيد، وتبدأ رحلته بالمشاق ومآلها إلى انفراج وتحقق الرؤى. تبدو قصة خرافية، أليس كذلك؟ بلى.
بعد أشهر من قراءتي للرواية، القصيرة نسبياً، الطويلة نفساً، لازالت الأفكار تتوارد عليّ منها، فقد وجدتُ في ملاحظة “الإشارات الكونية” وتتبع مدلولاتها المستقبلية أمر يستحق الإهتمام به. فكم من إشارة تواجهنا في الحياة نتجاهلها أو لا نُحسن التعامل معها؟ وكي لا يتيه من لم يقرأ الرواية، فالإشارات هنا، بمفهمومنا البسيط؛ تُعادل هذه الكلمات: “الصُدف” أو “العلامات” أو “المُفارقات” الغريبة التي تمر علينا ولا نلحظها. في البداية ذهبتُ إلى أنها نوع من الأساطير القديمة والتكهنات المستهجنة، وبعد التأمل تغيّرت نظرتي لها. بالمُجمل، بتُّ أعتقد بأنه لا يوجد شيء يحدث ولو بحجم الذرّة إلا وله معنى لا نفهمه بعقولنا القاصرة ولا نصل إلى كنهوتاتها إلا بالتفكُّر وإعمال العقل، بإرجاع كل شيء للباري جلّ وعلا وألطافه الإلهية، فهو -سبحانه وتعالى- يعطي مفاتيح الحكمة لمن يشاء.
لستُ بصدد تفخيم الرواية ولا الترويج لها، وهي غنية عن ذلك، إنما حول البحث العميق في هذه المدلولات وما قد نستفيد منها وكيف لها أن ترشدنا إلى الإيمان بالله، بربط الغيبيات وتعليقها في علم الله والإعتقاد بأن ماقد يسوؤنا اللحظة قد يحمل سعادتنا الأبدية وما قد أفرحنا لدقيقة قد ينقلب وبالاً وجحيماً لا ينفكّ يعذبنا.

ولنا في ثقافة وأساطير اليابانيين، كمثال آخر، خير شاهد وبُرهان. انتصار النُّور على الظلام، تأكيد غَلَبة الخير على الشرّ، الشخصيات ذات القوى الروحية الخارقة وعوالم مابعد الموت؛ وغيرها الكثير، لو ألبسناها بطابع إسلامي لوجدناها توازي معتقداتنا بيوم القيامة والفصل بين العباد، وما الشخصيات تلك، بقوتها وصبرها وحكمتها وتضحياتها، ببعيدة عن الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين وحتى أنها تشمل معنى الشُّهداء. اليابانييون ومعتقداتهم، مؤمنون بحقيقتها الظاهرية لكنهم لا يعرفون من ربهم الفعلي! فنجدهم يبحثون عنه في قصصتهم وأساطيرهم، أما نحن المسلمون، ولله الحمد والمِنَّة، إنما وعينا على الطريق بالعقل مؤكدين وجود الخالق ونوحده سبحانه وتعالى ونُرجع هذه الظواهر إلى أصولها بالإستناد إلى القرآن الكريم وإلى الأحاديث النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي.

لكن، بكل أسف، بعض الأدمغة المكسوة بالغبار، على مرّ الزمان، تحكم على ظواهر الأشياء وتسفّه مالا تفهمه، والإنسان -حقيقة- عدو مايجهله(*). أتذكر كيف ظهرت الفتاوى وتحريمهم لمسلسل “البوكيمونPokémon” وكيف تعامل الناس معها، بل كيف تجاوبت المحطات العربية معها حتى أن مراكز الترجمة انساقت كالأنعام وعمدت إلى تزييف الأحداث وتحريف المصطلحات الواردة في بقية المسلسلات اللاحقة! ألا عقول لنا لنفهم مايجري؟ أو أن أطفالنا أغبياء بالفطرة لا يمكنهم تمييز ما يُعرض أمامهم؟ أنكفر بالله لأن البوكيمونات تتطور؟؟؟
إننا كبشر، وأحياءٌ نُرزق، نتطور بشكل مستمر، بالنمو والفهم والدراسة والبحث، كما ونطوّر أنفسنا وعلاقاتنا مع كل شيء حولنا، الأحياء والجمادات على حد سواء.
المثير للضحك والسخرية، أنهم، ولهذا اليوم، يعانون من فوبيا “العقل” و “التطور”، والسبب هو العُقد من قراءة المستقبل ومن ذاك المسمى بـ دارون.

كلام كثير عن هذه الأشياء المُلفتة للعقل والقلب معاً، مما لا أحسن التعبير عنها أو إيصال فكرتها -كما أراها من وجهة نظري القاصرة، لكنني مؤمنة بالأفق الواسع للإدراك الإنساني وأنه يستطيع توجيه أفكاره بالمنطق من خلال التأمل والتدبر في كل الأشياء لا سيما التي تبدو في ظاهرها تافهة أو لا قيمة لها، وباطنها يحوي الأسرار الدّفينة الموصلة لدروب النجاة.
ليس مُلزم القارىء بتحليلاتي وقراءاتي الشخصية، هذا والحمدلله رب العالمين.

(*) اقتباسات من بلاغة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام


ف. العبد الأمير

مِظلّةٌ…؟

بسم الله تعالى خير الأسماء

؛

وددتُ أنْ أكتبَ بالأبيض وأُعنون التدوينة بـ Select All…

وتراجعت!

؛

في أعماقي؛ استرقتُ النَّظر قليلاً،

شاهدتُ شجرةً، كرسيّاً خشبيّاً،

الظلامُ مُطبقٌ…

ورأيتُني أحملُ مِظلةً سوداء!

… كدتُ أبكي.

؛

صمتٌ باردٌ… سويعاتٌ معدودةٌ وتتصرمُ أيامُ عامٍ كامل.

أأرغبُ في النِّسيان أمْ بالإحتفاظِ بمحتوياتِ تلكَ الذِّكريات؟

بكلِّ مافيها، بكلِّ ماجرى فيها، بكلِّ من ستطويهم بينَ دفتيها…

كلُّ المشاعرِ وشهورِ الإنتظار.

إننا نشيّع في هذه الليلة آخر أيام السنة الهجرية 1431…

وفصل الشتاء أقبلَ مُحتفياً بنا… أتانا بهدوءٍ هذهِ المرّة،

لمْ يحملْ إلينا الهدايا.

؛

توقفي!

المطرُ لمْ يصلْنا بعد، وبعضُهُم تركتُهم خلفي…

أكرهُ أنْ يكونوا خلفي،

لقد آثروا إبتعاداً دوني، للإتجاهِ الآخر…

كيفَ يا أيامُ تترُكيني أضمحلُّ بغيرِ همسٍ لهم،

بدونِ كلماتٍ تخفِّفُ عبءَ قُلُوبِهُم؟

أتُغرِقيني في وُحولِ الغُربة…لأتلاشى؟

؛

؛

عودوا، إليّ عودوا… فقط كونوا معي.

؛

لا رغبةَ لي بتودِيعِها هذا المَساء،

أبدو متشبثةً بخيوطِ الأملِ لآخرِ اللَّحظات،

أتَعَجَّبُ مِنْ صبري وَصدرٍ أخضرٍ شَاسِعِ الأرجاء…

؛

قيل لي: أنتِ بحاجة لأنْ تطويهم كما نطوي هذه الليلة، بسلام…

وأُمانِع!

؛

لكم جميعاً؛

أطيبُ الأمنياتِ بحلولِ العامِ الجديد يا أمةُ الإسلامِ أجمعين،

دعواتٌ قلبيةٌ بالتوفيقِ والدفءِ يعمِّر مساكنكم، يجمعُ بينكم والأحباب والأصحاب…

وأتمنى أنْ يعذرني بعضهم إنْ بذَر مني خطأ أو سهوٌ أو سوءُ تصرّفٍ بأيِّ طريقةٍ كانت…

ولمن قاطعوني بلا أسباب؛ إنكم في قلبي ولا شكّ.

؛

إني أسمعُ، أرى… وأثرثرُ أكثرَ من اللازم!

أشعرُ بكم؛ رُغماً عنكم… وعنِّي.

؛

ف.العبد الأمير

سُقُوط

بسم الله؛
-{ بعض الناس يقطعون طريقنا، هكذا وبدون مُقدِّمات، وتكون مفارقاتٍ جميلةٍ لا تتكررُ أن نلتقيهم ونتعرف عليهم ونحبهم ونتواصل معهم، نتَشَبّثُ بوجودهم.
قلوبنا تهوي إليهم في كلَّ لحظة، نعشقُ أطيافهم بصفاء سريرة، ببراءة، بصدقٍ ونقاء، بجنون!
غيابٌ واحدٌ ليومٍ واحدٍ قد يُبعثِرُنا ونتَعثرُّ بالظِّلال…
بدون إنذار، بدون ذِكر أسباب، بدون تلميحاتٍ قرروا الإختفاء.
نُذعر! نبحثُ ونبحثُ والقلبُ لا يعودُ يضخُّ دماً إلى الرأس من عناءِ الرَّقص على خيوطِ الزمن كي نلتقيهم، لخَبرٍ، لدليلٍ يأخُذُنا إليهم، يُثبِتُ أنهم لازالوا هنا، نذكُرُهم ولا ينسَونا.
هؤلاء الناس اختاروا الإبتعاد بدون مُبرراتٍ واضحة، جسداً وروحاً… وقلباً! لا يريدون الظهورَ ولا يريدون التُّحدثَ بما يختلجهم ولا يعترفون من يخطفهم راحلاً بهم عنّا بعيداً، إلى مكانٍ لا نجدهم فيه وإن وَصلنَا لا يكونوا إلا تماثيلاً من حجارةٍ، أو أشدُّ قسوةٍ؛ هامِدِين.
وجوهٌ شاحبةٌ وأطرافُهُم حادَّةٌ تخدشُ الرُّوحُ فتُمَزِّقُها. يُزعِجُهم السُّؤال عنهم بعدما كان يبُهِجُهم ويُحييهُم، يُثيِرُهم الحِرص عليهم براكيناً ترمينا حجارةً من سِجِّيل، يتحولُ ماضينا معهم إلى قذىً للعينِ وسِهامٍ مسمُومة تتوسطُ الصُّدور.
جنوننا… اغترفوه شَهداً واليوم أيقظ شياطينهم!
ما ذنبنا إن كنا نُريدهم ويطيبُ لنا قُربُهُم بشتى أشكالهم؟ حتى في قسوتِهم لهم في القلب مكانة عالية.
الأملُ يتضاءَلُ كلَّمَا غاصُوا في الظلمات الذاتية، إلى أن يبدأوا الإيذاء والتعذيب النفسي، يتراكمُ الخوفُ والذُّعرُ والوجوم… والشَّوق!
القصورُ الذهبية التي بنيناها بالحبِّ والودِّ واللُطف، بالأحلام الصغيرة والطموحِ الكبيرة والآمالِ المُضيئةِ ترقى للسَّماء، قلاعٌ مُحاطةٌ بأشجارٍ ورياحين، الزَنابِق الحمراء واليَاسمين،
وكثير من زهور بيضاء ذات عِطرٍ وبَهجَة، لا تخلو من بساتينِ غَاردينيا…
الشمسُ لا تبارحُ حدائقَ النُّفوسِ الطيبة تبعثُ الدفءَ وتشعُّ حناناً، حصونٌ أحيَتْ الربيع بجودها، لا تعرِفُ البردَ ولا السُّكونَ ولا… الليل!
رحيلٌ وصمتٌ مفاجىءٌ والتَّحولُ إلى أشباهِ الحياة غيّب شمسنا دون ميعاد، أطبقَ الظلامُ على السَّماءِ، أحكَمَ البؤسُ قبضَتَه على أرواحنا البسيطة فهَامتْ في فراغِ الإغتراب وضاعتْ في غياهِبِ العذاب.
تمزُّقتِ الروابطُ وانهارتْ جسورٌ فوقَ رؤوس، سَقَطَتْ مملكةُ الحَياة!
أحالوها صقيعاً ينخُرُ العظام، يُهلِك القاصيَ والدانيَ وكلَّ من تُسوِّل له نفسُهُ البقاءَ فيها لإذابةِ جبال الهَجْر، بالمقاومة وإشعالِ لهيبِ الإنتماء؛ تُقصيهُم بقايا الهياكلُ المُتَجمِّدة وتجرُّهم بلا رحمة إلى جُرفٍ، إلى الهاوية.
جمَّدوها، كسَّروها، أذابُوها… تبخَّرت!

تسَاقطتِ الأرواحُ من سَماءِ الأبَديّة وتعلَّقتِ الأشباحُ بالأغصانِ المُنحَنِية…
كما وصلونا فجأة؛ رحلونا فجأة… اقتحموا أماننا وأحلامنا، آمالنا…
اجتاحوا قلوبنا، سَرقُوها، هشّموها، دمَّروها، أبادُوها…

النهاية! }-.

؛~

ليلة الجمعة: 11-02-2010

ف. العبد الأمير